2019/12/20

تبولة سياسة خمس نجوم!!

ياسر قشلق
(ياسر قشلق)
 بحضور رسمي مفعم بالوقار، وحضور فني مرصّع بالنجوم، وحضور "مخملي مزوّر" مليء بالحماس، جرى افتتاح مطعم "أم شريف" اللبناني في فندق الـ"فورسيزونز" وسط دمشق!! لن أتوقّف عند أسعار الطعام لدى "أم شريف" والتي تبدأ بـ30 ألف ليرة سورية للشخص الواحد (راتب موظف لشهر تقريباً)،
فكما قلت إن زبائنها سيكونون من الطبقة "المخملية المزورة" وأعني بهم محدثو النعمة من تجار البشر والحجر الذين أثروا خلال الحرب، وهو أمر معروف لدى الجميع، وعلى أية حال هم طبقة محدثة في سورية توازي نظيرتها اللبنانية، أي "الطبقة اللبنانية المخملية المزورة" التي أثرت كذلك على حساب أزمات لبنان المختلفة خلال تاريخه الحديث المليء بالأزمات والحروب. ما سأتوقف عنده صراحةً هو أصناف الطعام التي ستقدمها "أم شريف" لزبائنها الكرام،
وهذا هو جوهر وسر نجاح أم شريف الذي حملها لافتتاح مطعمها وسط دمشق، كما يقولون طبعاً. حسناً، ما هي الأطباق المميزة لدى أم شريف يا ترى؟! بالحقيقة سألت بعض المعارف الذين زاروا المطعم هذا السؤال، فكانت إجاباتهم عامّة وممطوطة بأن "أكلها كتيـــــــــــــــيييـر طيب"!! طيب، وما هو هذا الأكل الطيب؟! يجيبون: لديها "حمّص بجنن، وكبّة نية بتشهي، وتبولة بتمزع العقل"!! نعم أيها القارئ الكريم، ما قرأته للأسف واقع وليس سخرية أو خيال، أم شريف اللبنانية تفتتح مطعماً من فئة خمس نجوم في أفخم فنادق دمشق، بحضور رسمي وفني و"مخملي"، مطعم تبدأ أسعاره بـ"30" ألفاً للشخص الواحد، مطعم يأخذ حيزاً من إعلام السوريين للحديث عنه وكيل المديح له ولصاحبته، مطعم يملئ الدنيا ويشغل الناس.. مطعم.. يقدم حمّص وتبولة!!! يا سلام! حقيقةً أريد هنا توجيه مباركة خاصة باسمي لأم شريف، ليس لافتتاح مطعمها، وليس لأن أكلها لذيذ، فهو أكل عادي تقدمه أي ست سورية كمقبلات لعائلتها أمام وجبة الغداء. إنما مباركتي لأم شريف لكونها اكتشفت سر النجاح في سوريا، وهو أمر سهل بالمناسبة ويتلخّص ببساطة أن السوري لديه عقدة نقص أمام اللبناني! نعم، وبكل شفافية أقولها: لدى السوري عقدة اسمها عقدة لبنان، هي أشبه ما تكون بعقدة الذنب التي لا يستطيع السوري التعافي منها أو تلافي الوقوع فيها، ليس لدينا عقدة الأوروبي ولا الأمريكي ولا الخواجا كائناً من كان، إنما فقط عقدة اللبناني، فكل ما هو قادم من لبنان يجب أن يكون جيداً بالضرورة، المحلل السياسي اللبناني (صديق بوابي السفارات) جيد! الموضة اللبنانية جيدة! البريستيج اللبناني جيد! عادة إشغال أصابع اليد بالسيجار لكونها عادة لبنانية فهي جيدة! كل ما هو لبناني يجب أن يكون جيداً، فاللبنانيون أستاذة التحليل والموضة والمقاومة والتنظير وكل شيء، أما نظراءهم السوررين فهم (...)!! وفهمكم كفاية. أخبرني مرّة أحد الأصدقاء السوريين أن مسؤولاً سوريّاً رفيعاً أرسل في طلبه، وأضاف: "حينما وصلت هناك، أخبرني مدير مكتبه أن أنتظره في غرفة الاستقبال ريثما يخرج الضيف الذي عنده، دخلت الغرفة فإذا بي أمام ضباطٍ ومسؤولين كبار ينتظرون خروج الضيف أيضاً ليدخلوا، وبعد انتظار استغرق نحو ساعتين خرج الضيف وكانت المفاجأة، محلل سياسي لبناني أعرفه شخصياً لا يحمل شهادة البريفيه (الكفاءة)! يلتفت للمسؤول الذي أوصله للباب لوداعه ويقول له كنصيحة أخيرة وبطريقة استعراضية رخيصة: (اعمول متل ما خبرتك مولانا، كلّون "كلهم" ما بيسووا كعب صباطك)!!". من وقت قريب كتب مسؤول "مصرفي" سوري كبير عبر صفحته "الفيسبوكية" منشوراً يعقب فيه على وصول سعر صرف الدولار لألف ليرة سورية، فيقول إن "سر تدهور أسعار الصرف يرجع إلى استهلاك السوريين الكبير للمتة"!! وتجاهل هذا المسؤول – بقصد طبعاً – أن هناك مليارات الدولارات ودائع لرجال أعمال سوريين جرى نهبها في بنوك ومصارف لبنان! لماذا أقول تجاهل بقصد، ببساطة لأن لدى هذا المسؤول أيضاً عقدة نقص أمام نظرائه اللبنانيين، فهو يرى أن البنوك اللبنانية على حق دائماً لأنها لبنانية حتى لو أنها حجزت أموالاً بمليارات الدولارات للسوريين، وحكامها بالضرورة على حق كونهم لبنانيون حتى لو استغلوا مناصبهم وحصلوا على نسبة من الأموال السورية المحجوزة، وقضاء لبنان الفاسد - بشهادة المجتمع الدولي بأسره – هو على حق حتى لو أصدر حكماً جائراً بحجز تلك الأموال، هو على حق لأن القاضي فيه لبناني ويأكل تبولة وكبة نية "أصلية" عند أم شريف اللبنانية! أتحدى مسؤولاً سورياً أن يخرج عن صمته ويتابع ودائع رجال الأعمال السوريين التي نهبتها مصارف لبنان، وأتحدى أيضاً عند عودة هذه الودائع لأصحابها إن تجاوز سعر صرف الدولار مائة ليرة سورية. أريد أن أنهي كلامي بنقطة أخيرة، السوريون عادةً إذا سرق منهم سوري ليرة واحدة يذهبون لحد الإجرام لاستردادها، ولا يتركون فرصة إلا ويستغلوها لاستعادة حقوقهم، يزورون المسؤولين وأفرع الأمن والقضاء ووزارة العدل... بما أننا مغرمون كثيراً باستعادة الحقوق، لماذا لا نحاول استعادة أموال رجال الأعمال المسلوبة في لبنان؟! أم أننا ولكون اللص لبناني يجب علينا أن نسكت ونقول له "صحتين يا ريّس"؟! لماذا لا نرى من مسؤولينا تحركاً جاداً لاستعادة مليارات الدولارات من مصارف لبنان؟! أليس في هذا التحرك محاكاة لفعل إيجابي يتلخص بعدم جواز السكوت عن الحق؟! أليس فيه فائدة ومكسباً وطنياً؟! أليس أجدى اقتصادياً من منع المتة أو دعم افتتاح مطعم يقدّم التبولة؟!!

ليست هناك تعليقات: