2011/12/12

لا إخوان ولا مسلمون.. (2)

ياسر قشلق
(ياسر قشلق )
سألت في المقال السابق: هل خرجت الشعوب العربية من بيوت الأنظمة المتهاوية لتدخل «بيت طاعة» الإخوان المسلمين؟

الإجابة على هذا التساؤل أعقد من أن تتسع لها سطور مقال، لكنها باختصار تعتمد على قدرات صاحب المصلحة الحقيقية في أن يصل الإسلاميون وعلى رأسهم، بطبيعة الحال، «الإخوان المسلمون» إلى مقاليد السلطة في الوطن العربي أو على الأقل في البلاد التي انتفضت شعوبها. وفي ظني أن صاحب المصلحة في الإسلاميين هو الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، ويعلم الجميع مدى النفوذ الذي يتمتع به هذا الغرب في الوطن العربي، أعني أن قدرات إيصال الإسلاميين إلى الحكم عقب سقوط الأنظمة «العلمانية» أكثر من مضمونة وتكاد تكون شبه مؤكدة.


طبعاً قد يتنطع أحدهم ويرد علي بالقول: إن الإسلاميين إن وصلوا للحكم فإنهم سيصلون عبر صناديق الاقتراع الديمقراطية وبالتالي هم انعكاس لرغبة الشارع الذي انتفض ضد أنظمته ولا علاقة أبداً للغرب في تزكيتهم. أقول: هذا الكلام لا يعبر سوى عن نصف الحقيقة، بينما الحقيقة الكاملة تكمن بالعودة إلى تاريخ الديمقراطية في الغرب، ولنا مثلاً في التجربة الديمقراطية اليابانية خير مثال على ذلك، حيث فرضت اليابان عقب الحرب العالمية الثانية قانوناً إنتخابياً لا يجيز سوى للمتعلمين أن يمارسوا حق الانتخاب، وبذلك ضمنوا ألا يستغل اللعبة الديمقراطية متعصب أو صاحب شعارات خادعة للجماهير الجاهلة، ولم تسمح اليابان بممارسة الجميع لحق الانتخاب إلا بعد أن قضت على الأمية والجهل.. وقس على المثال الياباني التجربة الألمانية وسواها الكثير من التجارب الديمقراطية في الغرب التي تؤكد أن اللعبة الديمقراطية محكومة دائماً بقوانين تسقط عنها المصادفة والعشوائية، وهو الأمر الذي غاب تماماً في بلاد الثورات العربية رغم مناشدة كثير من العقلاء –بالأخص في مصر- لوضع دستور ناظم للمجتمع قبل خوض الانتخابات البرلمانية، وطبعاً بقية القصة معروفة كيف أجهضت هذه الدعوات من خلال التحالف الذي جرى بين الإخوان والمجلس العسكري برعاية الولايات المتحدة، وهاهي المرحلة الأولى من الانتخابات المصرية قد انتهت وهاهم الإسلاميون يدقون طبول نصرهم فيها. 

أستدرك هنا لأعود إلى صلب الموضوع الذي كنت قد أشرت إليه في آخر المقال السابق حول مصلحة الغرب الحقيقية في إيصال الإسلاميين إلى الحكم، إذ كيف يعقل أن يجاهر الغرب بعدائه للإسلام والمسلمين من جهة ويدفع في المقابل الإسلاميين إلى مقاليد الحكم؟! بكلمات أخرى: هل الغرب عدو للإسلام أم حليف له؟ 

الغرب بتعبيده الطريق أمام الإسلاميين نحو الوصول إلى مقاليد الحكم لم يتخل عن عدائه للإسلام أبداً، بل على العكس تماماً، فحكم الإسلاميين الآن وفي هذه الظروف المعقدة بالذات هو بنظر الغرب أقصر الطرق للقضاء على الإسلام برمته وليس فقط على هؤلاء الإسلاميين، وأنا أعني ما أقول حين أؤكد أنها أقصر الطرق للقضاء على الإسلام، إنها باختصار استراتيجية يضبطها المثل الإنكليزي القائل: «أعط عدوّك ما يكفي من الحبل ليشنق نفسه»، وحبل مشنقة الإسلام هو كرسي سلطة الإسلاميين. 

لا أريد أن أبث التشاؤم في نفوس المتفائلين بنهضة العرب عقب «ثوراتهم»، لكنّي أرى الغرب يشهر مبضع إجهاض هذه الثورات عبر استراتيجية «إعدام الإسلام»، وهي بالعموم استراتيجية قديمة استخدمها الغرب مع الكنسيين إبان العصور الوسطى فتخلصت عبرهم من الدين المسيحي برمته (المؤمنون في بريطانيا اليوم لا يتعدون نسبة 3%)، وأعادت إسرائيل إنتاج هذه الاستراتيجية ذاتها حين عبّدت الطريق أمام حماس للفوز في الانتخابات الفلسطينية عام 2006 فاستطاعت، أي إسرائيل، بذلك القضاء على الإسلاميين وعلى المقاومة (حماس تحمي اليوم حدود إسرائيل)، والأهم من هذا وذاك أنها قسّمت المجتمع الفلسطيني وأظهرت للغرب أنه لا يوجد شريك فلسطيني تصنع معه السلام، وأيضاً تمكنت من إجهاض التجربة الديمقراطية للفلسطينيين وحافظت على صورتها أمام الغرب بوصفها دولة ديمقراطية تجابه الـ«لا دولة الديكتاتورية» حيث إن انتخابات الـ2006 كانت آخر انتخابات تجري في الداخل الفلسطيني!! 

بالتأكيد لسان حال الغرب يقول اليوم: إن كانت إسرائيل حققت كل هذه النجاحات من خلال وصول حماس للحكم في مجتمع يكافح للحصول على دولته، فما مقدار النجاح الذي سنحصله من وصول الإسلاميين إلى حكم دول قائمة ومعقدة مثل مصر؟ 

سأعرّج في المقال المقبل على أسباب فشل الإسلاميين المتوقع في الحكم، وسأقف عند تمييز الغرب بين الإخوان الذين يحاولون الظهور كمعتدلين وبين السلفيين الذين ظهروا كجناح اليمين بالنسبة للإسلام وسيستخدمهم الغرب كحصان طروادة في المعركة الأخيرة مع الإسلام.


المصدر: http://www.dp-news.com/pages/detail.aspx?articleid=105849#ixzz1lKiOtQey
 

ليست هناك تعليقات: